السر الأول السر الثاني
السر الثالث
السر الرابع
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: ((سنريهم آياتنا في الافاق وفي انفسهم حتّي يتبيّن لهم أنه الحقّ))
صدق الله العليّ العظيم
أسرار قرانية في حقائق وأنوار محمّد وآل محمّد صلوات الله عليهم
السر الأول
ليس هناك في الآفاق ولا في الأنفس حقيقة جامعة وآية ساطعة غير الميامين محمّد وآله الطاهرين (صلوات الله عليهم أجمعين).
تقريب الاستدلال: اذا تدبرنا في معنى ((آياتنا)) فلا نجد معنى واقعياُ دقيقاُ لها الاّ الحقائق الّتي لم يسبقها سابق ولا يلحقها لاحق ولا يفوقها فائق ولا يطمع في ادراكها طامع، وهي عبارة عن الصورة الانسانية الكاملة المتثملة بمحمّد وآل محمّد (صلوات الله عليهم).
ورد عن الامام الهادي (عليه السلام) في الزيارة الجامعة للمعصومين (عليهم السلام) أنّه قال:
أشهد أن هذا سابق لكم فيما مضى، وجار لكم فيما بقى، وأنّ أرواحكم ونوركم وطينتكم واحدة، طابت وطهرت بعضها من بعض، خلقكم الله أنواراً فجعلكم بعرشه محدقين... فبلغ الله بكم أشرف محل المكرمين، وأعلى منازل المقرّبين، وأرفع درجات المرسلين، حيث لا يلحقه لاحق، ولا يفوقه فائق، ولا يسبقه سابق، ولا يطمع في ادراكه طامع، حتي لا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا صدّيق ولا شهيد ولا عالم، ولا جاهل، ولا دنيّ ولا فاضل، ولا مؤمن صالح ولا فاجر طالح، ولا جبّار عنيد، ولا شيطان مريد، ولا خلق فيما بين ذلك شهيد الاّ عرّفهم جلالة أمركم ، وعظم خطركم، وكبر شأنكم، وتمام نوركم، وصدق مقاعدكم، وثبات مقامكم، وشرف محلّكم، ومنزلتكم عنده، وكرامتكم عليه، وخاصّتكم لديه، وقرب منزلتكم منه.
وهذا المعنى بل هذه الحقيقة مبرهن عليها عقلا ونقلا.
أما العقل: فانه يقطع بأن هذه الايات هي حقائق وجودية خارجية ، لها مقام التقدم في الشرافة على الخلائق، ومقام الكاشفية عن المراد في الموجودات كافّة، ولذا عبّر الكتاب المجيد عنها : ((وداعياً إلى الله باذنه وسراجا منيرا)) الأحزاب: 46 . وعلى هذا فلا نجد في عوالم الكون والامكان حقائقا وجودية خارجية شريفة كاشفة منيرة غير الحقيقة المحمدية العلوية .
أمّا النقل: ورد عن الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: أن أول ما خلق الله نور نبيّك يا جابر. وفي مورد التعليق على هذا الحديث الشريف قال القندوزي الحنفي : المراد هو الحقيقة المحمّدية المشهورة بين الكمّلين .
وبما ذكرنا يتّضح أن ما ذكره جمهور المفسّرين وأهل الظاهر أن المراد بالايات العلامات والدلائل معنى قشري ظاهري، بل حقيقة العلامات والدلالات محمّد وآل محمّد (صلوات الله عليهم).
قال العلامة الطباطبائي (رحمه الله): ان المراد بالآيات الحجج الدالة على التوحيد وما يتبعه من المعارف الحقّه ثم ان من تعقّل الحجج الحقّه من آيات الافاق والانفس بسلامة من العقل، ثم استسلم لها بالايمان والانقياد ليس هو من الموتى ولا ممن ختم الله على سمعه وبصره .
فقد نقل مجموعة من علمائنا الأعلام أنّ المراد من الآيات في الاية القرآنية الشريفة الائمة المعصومون (صلوات الله عليهم).
أخرج الشيخ الأقدم أبو القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه القمي (ت 368 هجري) في كتابه كامل الزيارات : 543 باب 108 ح 830 عن الإمام الصادق (عليه السلام) – في حديث طويل – قال: يقول الله تعالى: ((سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم)) فأيّ آية في الآفاق غيرنا أراها الله أهل الآفاق؟! وقال: ((ما نريهم من آية الاّ هي أكبر من اختها)) فاي آية أكبر منّا.
إذن هم صلوات الله عليهم الحقيقة التي نطق عنها محكم التنزيل بقوله تعالى : ((ثم دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى)) النجم : 8 – 9 .
وبتعبير أوضح: هم الكون الجامع المسمى في السماوات ((أحمد)) وفي الارضين ((محمّد)) . ولا يخفى على ذوي الألباب ان عليّاً هو نفس محمّد (صلوات الله عليهم) بنصّ القرآن المجيد : ((وأنفسنا وأنفسكم)) فكلّ ما ثبت لمحمّد (صلّى الله عليه وآله) فهو ثابت لعليّ (عليه السلام) خلا النبوّة.
خلاصة المخاض:
انّ اراءة هذه الآيات في الآفاق وفي الانفس انما يراد منها اظهار أنوارهم وابراز حقائقهم واشراقة دولتهم (صلوات الله عليهم) حتى يتبيّن للخلق أنهم الحقّ .
قال تعالى : ((وأشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتاب)) الزمر: 69 .
وقال تعالى: ((يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله الاّ أن يتمّ نوره)) التوبة : 32
وقال المصطفى (صلى الله عليه وآله) في المعتبر المنقول في كتب الخاصّة والعامّة: ((عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ لا يتفرقان).
وورد أيضاً عن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) أنّها قالت: ((عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ)) أوردهما القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة : 1/124 و 173.
والحمد لله ربّ العالمين
ملاحظة:
هذه مقتطفات قصيرة من الأنوار الإلهية، والأسرار الربانيّة، المودعة في كتاب الله الكريم، والمتحصلة في الخارج بأرباب النعم وهداة الأمم، محمّد وآل محمّد «صلوات الله عليهم أجمعين» نحن مستعدون للحوار في بيانها، والإجابة على الاستفسارات التي يطرحها الأخوة والأخوات؛ ليكون البحث واضحاً والغرض متحققاً، جعلنا الله وإياكم من العارفين بحقّ محمّد وآل محمّد (صلوات الله عليهم)، والعاملين بذلك ، والمحشورين في زمرتهم إنّه سميع مجيب ، والله من وراء القصد.
الشيخ عبد الكريم العقيلي
السر الأول
السر الثاني السر الثالث
السر الرابع
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: ((وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ))
صدق الله العليَّ العظيم
أسرار قرانية في حقائق وأنوار محمّد وآل محمّد صلوات الله عليهم
السرّ الثاني
إنّ حقيقة هذا الوجود الامكاني حقيقة واحدة، وهي حقيقة الميامين (صلوات الله عليهم) وما ظهر من هذا الوجود هو صور تلك الحقيقة، كل واحدة بحسب استعدادها وقابليتها
بيان ذلك: من البراهين المذكورة على ألسنة الحكماء (قاعدة الواحد لا يصدر منه إلا الواحد) وبما أنّ الوجود أمر وحداني فانّه صادر من الواحد، وحاشا لله تعالى أن يباشر الأشياء وانما جعل لها أسبابا بواسطتها يخلق الممكنات، مثلا انّه تعالى خلق آدم من تراب، وخلق الانسان من نطفة، فالتراب والنطفة وغيرها أسباب لنشأة الانسان وخلقه، وحينئذ لابدّ من القول بأنّ هذا الوجود صادر من حقيقة واحدة، هي السبب في تحققه، وهذه الحقيقة في واقع الأمر مسمّاة على ألسنة العلماء والأولياء والعرفاء بالحقيقة المحمّدية، وبتعبير الروايات المعتبرة بالنور الأوّل أو العقل الأول.
نقل القندوزي الحنفي في ينابيع المودة: 1/45 عن رسول الله (صلوات الله عليه وآله) قال: أوّل ما خلق الله روحي، وأوّل ما خلق الله نوري، وأوّل ما خلق الله العقل، وأوّل ما خلق الله القلم، واول ما خلق الله نور نبيك يا جابر.
ثمّ قال (الكلام للقندوزي): المراد منها الحقيقة المحمدية التي كانت مشهورة بين الكملين، وهي روح نبينا (صلى الله عليه وآله وسلّم).
ولتوضيح المطلب نذكر مثالين:
المثال الأوّل: الماء الذي منه الحياة وبه استمرارها، تراه في الأشياء الظاهرة، ففي الخضار يتجلّى به، والفاكهة يتلون به، وهكذا في سائر الأشياء الصورية المخلوقة، فهو مندكّ فيها غير منفصل عنها وإلا لذابت ونسخت ومن ثمّ انفنت. هذا أمر وجداني، فإذا كان الماء الصوري الظاهري له هذه الخاصّية والأثر فكيف بالحقيقة التي خلقت الأشياء لأجلها بما فيها هذا الماء؟! وهي حقيقة النور المحمدي العلوي، محمّد وآل محمّد (صلوات الله عليهم). أفلا تكون هي الباعث لهذا الخلق الصوري، والعلّة لايجاده، بل واستمراره؟!.
المثال الثاني: نور الشمس، فإنّه إذا أشرق على زجاجة بيضاء يظهر من ورائها نور أبيض، واذا وقع على زجاجة صفراء يظهر من ورائها نور أصفر وإذا وقع على زجاجة زرقاء خرج أزرق وهكذا، والكلّ نور الشمس إلاّ أنّه يتلوّن في هذه الأشياء وتظهر له آثار مختلفة، فما يقع من صور وألوان ومظاهر انّما هي على أثر أشراقة النور من الشمس، فإن كان هذا النور الحسي له هذه الخواص والآثار في عوالم الخلق، فكيف بمن كانت به الأنوار وحقائق الأبرار المصطفى محمّد وآله الأطهار (صلوات الله عليهم).
والحمد للّه رب العالمين.
ملاحظة:
هذه مقتطفات قصيرة من الأنوار الإلهية، والأسرار الربانيّة، المودعة في كتاب الله الكريم، والمتحصلة في الخارج بأرباب النعم وهداة الأمم، محمّد وآل محمّد «صلوات الله عليهم أجمعين» نحن مستعدون للحوار في بيانها، والإجابة على الاستفسارات التي يطرحها الأخوة والأخوات؛ ليكون البحث واضحاً والغرض متحققاً، جعلنا الله وإياكم من العارفين بحقّ محمّد وآل محمّد (صلوات الله عليهم)، والعاملين بذلك ، والمحشورين في زمرتهم إنّه سميع مجيب ، والله من وراء القصد.
الشيخ عبد الكريم العقيلي
info@oqaili.com
السر الأول
السر الثاني
السر الثالث السر الرابع
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: ((وجاء ربّك والملك صفّاً صفاّ))
صدق الله العليّ العظيم
أسرار قرانية في حقائق وأنوار محمّد وآل محمّد صلوات الله عليهم
السرّ الثالث
في بيان أنّهم صلوات الله عليهم الأنوار الإلهية والأسرار الربّانية المودعة في القرآن المجيد
إعلم، وفّقك الله للحق وأتباعه، وجنبك الباطل وآثاره، إنّ للقرآن ظاهراً وباطناً ومحكماً ومتشابهاً، وانّ القرآن يفسّر بعضه بعضاً. فإن أعجزك الفهم عن درك هذه الحقائق والأنوار _والعياذ بالله_ فلا يفوتنك التفهيم انشاء الله تعالى. فالغنيمة كلّ الغنيمة في إتباع الحقائق النورانية والأسرار الربانية، المودعة في كتاب الله الكريم، المتمثلة بأرباب النعم وهُداة الأمم محمّد وآل محمّد (صلوات الله عليهم).
فهم (صلوات الله عليهم) المقصودون من المجيء في الآية القرآنية المزبورة الذكر.
تقريب الاستدلال:
أوّلاً: انّ المجيء والانتقال من حال إلى حال لازمه عدّة اُمور، منها: الحركة والسكون. وهذه من لوازم الممكن المخلوق؛ وهي ليست صفات الحق على الإطلاق تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، إذن، فالمجيء يطلق على الربّ بالمجاز العقلي، فلابدّ هنا من تقدير ـ كما صرّح علماؤنا الأعلام بذلك ـ .
نقل العلامة الطبرسي (رحمه الله) في الإحتجاج، عن الإمام أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) قال في خصوص هذه الآية الشريفة، وفي حديث طويل: وليس جيئه _ جلّ ذكره_ كجيئة خلقه؛ فإنّه ربّ كلّ شيء، ومن كتاب الله يكون تأويله على تنزيله، ولا يشبه تأويله بكلام البشر، ولا فعل البشر(الإحتجاج: 1 / 250 إحتجاجه عليه السلام على الزنديق . عنه المشهدي في كنز الدقائق: 11 / 348 . وأنظر كذلك مفاتيح الغيب للرازي: 31 / 158 ـ مورد الآية).
ونقل الشيخ الصدوق(رحمه الله)؛ في عيون الأخبار، عن الإمام الرضا (عليه السلام)، في تفسير هذه الآية، قال: (إنّ الله لا يوصف بالمجيء والذهاب ـ تعالى عن الانتقال ـ إنّما يعني بذلك: وجاء أمر ربّك…) (عيون أخبار الرضا عليه السلام: 1 / 115، باب 11، ح 19 ، عنه المشهدي في كنز الدقائق: 11/ 347).
فما المقصود من الأمر الذي يجيء؟
الأمر ليس لفظاً أو مصطلحاً اعتبارياً، أو شيئاً مجهولاً، بل الأمر الذي يجيء مع الملائكة، ويصطّف معهم يراد به حقيقة وجودية كالملائكة، هذه الحقيقة الوجودية المعبر عنها بالأمر تجدها مصرّحاً بها في [الزيارة الجامعة الكبيرة]، حيث يقول المعصوم (عليه السلام):
[والمستقرين في أمر الله] وقوله [وأمره إليكم] (الصوارم القاطعة في إثبات صحّة الزّيارة الجامعة: 58 و 111)
وورد في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام): [إرادة الربّ في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم] (أنظر كامل الزيارات للقمّي : 366، ضمن زيارة الإمام الحسين عليه السلام).
وثانياً: إنّ المراد من الربّ في اللغة والاصطلاح يشمل معاني عديدة منها: السيّد، المولى، المحمود، النّاصر وغيرها. وأيّ سيّد ومولى ومحمود وناصر أجلّ وأشرف من محمّد وآل محمّد أرباب النعم وهداة الأمم (صلوات الله عليهم)؟!
إذن، على ضوء هذا وغيره تقرّر: إنّ المقصود من مجيء الرب في الآية الشريفة هو مجيء أولياء الله الطاهرين، المعصومين (صلوات الله عليهم) لكي تعرض عليهم أعمال الخلائق أجمعين، ويتولّون حسابهم بإذن الله تعالى.
والحمد لله ربّ العالمين.
ملاحظة:
هذه مقتطفات قصيرة من الأنوار الإلهية، والأسرار الربانيّة، المودعة في كتاب الله الكريم، والمتحصلة في الخارج بأرباب النعم وهداة الأمم، محمّد وآل محمّد «صلوات الله عليهم أجمعين» نحن مستعدون للحوار في بيانها، والإجابة على الاستفسارات التي يطرحها الأخوة والأخوات؛ ليكون البحث واضحاً والغرض متحققاً، جعلنا الله وإياكم من العارفين بحقّ محمّد وآل محمّد (صلوات الله عليهم)، والعاملين بذلك ، والمحشورين في زمرتهم إنّه سميع مجيب ، والله من وراء القصد.
الشيخ عبد الكريم العقيلي
info@oqaili.com
أضغط هنا لإبداء ملاحظاتكم وآراءكم حول هذا السر
السر الأول
السر الثاني
السر الثالث
السر الرابع
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: ((إنّما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعونّ))
صدق الله العليّ العظيم
أسرار قرانية في حقائق وأنوار محمّد وآل محمّد صلوات الله عليهم
السرّ الرّابع
في بيان أنّ جميع الأعمال متوقفة على طاعة الإمام ـ ولي الله المطلق وحجّته في أرضه ـ بعد معرفته
تقريب الإستدلال:
الولاية منزلة إلهية عالية، وهبة ربانية سامية ،خصّ الله تعالى بها محمّداَ وآل محمّد«صلوات الله عليهم» واستودعهم إياها ، فازدانت ورفلت حتى انبرى نورها من فيض نورهم صلوات الله عليهم ، فغدت بحقّ ، صبغة الله التي قرنها إلى نفسه .
روي عن أبي عبد الله «عليه السلام» في قوله تعالى : {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة} قال: الصبغة معرفة أمير المؤمنين بالولاية في الميثاق . (تفسير العيّاشي : 1 / 81)
والولاية بذلك تعني، حقّ التصرف تكويناً وتشريعاً في المنظومة الوجودية قاطبة. أي في جميع ما من شأنه أن يكون تحت دائرة الإمكان ، بإذن الله تعالى ، لا على نحو الإستقلال. وهي ولاية تامّة ، كلّية ، عامّة ، مطلقة .
ولا يخفى على كل ذي عقل سليم ، أنّ الله عزّ وجلّ لمّا خلق الخلق باديء ذي بدء ، خلق الصادر الأوّل ، الحبيب محمّد «صلى الله عليه وآله» وممّا كان في علمه تعالى أنّه أولى الخلق به وأحبّهم لديه ، وهبه كل ما من شأنه أن يميّزه ويسمو به إلى المقام المحمود الذي عنده . وأرفع درجة وهبها المولى إياه ، هو التفويض المطلق ، المنضوي تحت الولاية ، الذي يعتبر أقصى الغايات العاليات التي يجود بها المحبّ إلى حبيبه ، وأرفع وسام يستحقّه المطيع لأمر مطيعه ، لما سبق لهم الإتمار بأمر الله ، كما قال تعالى: {بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون}(الأنبياء : 26 ـ 27).
والأدلّة على نيل هذا الاستحقاق كثيرة، ولا يعدو هذا المنقول من الأدلّة ، إلاّ غيض من فيض ، لإماطة اللثام عن درك قدرة التفويض التي بها ميّزهم الله تعالى عن غيرهم من خلقه...
وما تسالم على ثبوته له «صلى الله عليه وآله» من رفيع الشأن وقرب المنزلة التي أجملها المولى تعالى في قوله عزّ شأنه : {فكان قاب قوسين أو أدنى}(النجم : 9) ثابت في من قال بحقه المصطفى «صلى الله عليه وآله» ما جاء في قوله تعالى : {وأنفسنا وأنفسكم}. ولا أعلم أحداً يثبت تخلف أو اختلاف النفس عن نفسها بكل ما من شأنه أن يكون لها من خصائص سوى ما كان من أمر الله في شأن الرسالة والنبوة؛ لهذا قال المصطفى «صلى الله عليه وآله»: إنّ الله اصطفاني على الأنبياء فاختارني ، واختار لي وصيّاً ، واخترت ابن عمّي وصيّي يُشدّ به عضدي كما يشدّ عضد موسى بأخيه هارون ، وهو خليفتي ووزيري ، ولو كان بعدي نبياً لكان علي نبياً ، ولكن لا نبوة بعدي. (ينابيع المودّة للقندوزي: 2 / 288).
واللبيب الحاذق لا يفوته اكتشاف سرّ الملازمة المتجلية في تلك المقارنة العلوية الهارونية لما قد مرّ على النبي الرسول هارون «عليه السلام» بعد استخلافه من قبل أخيه النبي الرسول موسى «عليه السلام» عندما ذهب لميقات ربه ، وما صار إليه المستخلِفون من عبادتهم العجل ، واستضعافهم خليفة رسول الله كما جاء على لسانه «عليه السلام» في قوله تعالى : {قال ابن أمّ إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين} (الأعراف: 150).
وما أودعه المولى تعالى في المصطفى «صلى الله عليه وآله» من خاتمية للأنبياء والرسل، أودعه في المرتضى «عليه السلام» واختاره خاتماً للأوصياء ، ولياً مطلقاً صرفاً لكل من عليه ولاية لله تعالى ماخلا المصطفى «صلى الله عليه وآله» لذا فالقاسم المشترك بين الخاتمية المحمّدية والخاتمية العلويّة هي ملازمتهما لسنخية واحدة صادرة عن نور واحد ، مصداقه ما روي عن رسول الله «صلى الله عليه وآله» أنّه قال: إنّ الله تبارك وتعالى خلق عليّاً من نوري وخلقني من نوره ، وكلانا من نور واحد . (كفاية الطّالب للگنجي الشافعي: 260).
وقوله لعليّ «عليه السلام» أيضاً : أنت مني كالضوء من الضوء . (مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب: 388، عنه بحار الأنوار: 38 / 296) وقول أمير المؤمنين «عليه السلام»: أنا من أحمد كالضوء من الضوء. (معاني الأخبار للصّدوق: 350) وما كان من خطاب المولى تعالى لرسوله «صلى الله عليه وآله» بآية التبليغ إلاّ دليل ساطع على ما للولاية من شأوٍ عظيم ، ونبأ مبين. وعليه يستلزم عدم التبليغ بما أمر الله تعالى نبيه «صلى الله عليه وآله» كما في قوله تعالى : {يا أيّها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته} (المائدة: 67) انعدام كافة النبوات والرسالات بما فيها الرسالة الخاتمية ، لما بينهما من حاكمية إحداهما على الأخرى ، كما هو الأمر الذي كانت عليه الرسالة الخاتمية مع جميع الرسالات السماوية السابقة الموطئة لها .
لذا حريّ برسول الله «صلى الله عليه وآله» وهو الأمين المؤتمن ـ لما سبق في علمه تعالى ـ أن يأتمر بما أمره الله عزّ وجلّ من تأدية أمر تبليغ الولاية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليهما السلام» كما جاء به الوحي ، مصداقاً لما جاء في دفاعه عن نفسه «صلى الله عليه وآله» في قوله تعالى: {قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدّله قل ما يكون لي أن أُبدّله من تلقائ نفسي إن أتّبع إلاّ ما يوحى إليّ إنّي أخاف إن عصيت ربي عذاب يومٍ عظيم} (يونس: 15) ليتحقق بذلك أمر الإرشاد والتعيين لحضيرة القدس الإلهية من فيض هدي الرسالة المحمّدية العلويّة عن سلسبيلٍ صافي المعين ، متمثلاً بمحمّد وآل محمّد «صلوات الله عليهم أجمعين» لما يتمخض عنه في نهاية المطاف ، إتماماً للنعمة وإكمالاً للدين. روي عن النبي صلى الله عليه وآله ـ عندما نزل عليه قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} ـ أنّه قال : الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الربّ برسالتي وولاية عليّ بن أبي طالب من بعدي . ثم قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله. (شواهد التزيل، للحسكاني: 1 / 201).
وما دام صبح الأزل قد أشرق من فيض أركان دورهم التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ، ليلوح على هياكل التوحيد آثاره ، ونور الحقيقة قد أسرف في سبر الوجود جماله ، وانضوى في الصادر الأوّل ، أحمد «صلى الله عليه وآله» كان حقيقاً بمن لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى أن يبلّغ ما أمره الله تعالى؛ ليثبّت أركان الحقّ به، ويبلغ ذروة سنامه، منادياً بمليء الوجود، صادحاً بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) وإثبات حقّه: يا أيّها الناس لا تشكوا عليّاً ، فوالله إنّه الأخيشن في ذات الله . (حليلة الأولياء للأصفهاني: 1 / 68) وقال «صلى الله عليه وآله» ، أيضا : لا تسبوا عليّاً فإنّه ممسوس في ذات الله . (نفس المصدر السابق) لافتقار ميزان الحقّ إليه، مؤيِّداً لقوله «صلى الله عليه وآله»: الحقّ مع عليّ وعليّ مع الحقّ يزول الحقّ مع عليّ حيث زال. (مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي : 112ح 155).
وهل بعد ذاك يعذر خاتم الأنبياء والمرسلين «صلى الله عليه وآله» أو أن تغفو عيناه ويرتحل عن دار الأذى إلى جوار من كان إلى جواره قبل قيام الخلق دون أن يدل أو يوصي على من سيليه ، لتحفظ بيضة الإسلام به ، سائراً بالناس على المحجّة البيضاء ، فضلاً عن قوله«صلى الله عليه وآله»: أنا أقاتل على تنزيل القرآن ، وعليّ يقاتل على تأويل القرآن. (فردوس الأخبار للديلمي : 1 / 44ح118).
وفي مسك ختام تلك الومضة الضحضاح التي أنارت عقولنا وأفهامنا، ويجدر بنا تحكيم عقلك السليم لكي يدلّك على ولاية وصيّ الرّسول الأمين (صلّى الله عليه وآله) الإمام أمير المؤمنين وقائد الغرّ المحجّلين عليّ بن أبي طالب وأولاده المعصومين (عليهم السلام).
والحمد لله ربّ العالمين.
ملاحظة:
هذه مقتطفات قصيرة من الأنوار الإلهية، والأسرار الربانيّة، المودعة في كتاب الله الكريم، والمتحصلة في الخارج بأرباب النعم وهداة الأمم، محمّد وآل محمّد «صلوات الله عليهم أجمعين» نحن مستعدون للحوار في بيانها، والإجابة على الاستفسارات التي يطرحها الأخوة والأخوات؛ ليكون البحث واضحاً والغرض متحققاً، جعلنا الله وإياكم من العارفين بحقّ محمّد وآل محمّد (صلوات الله عليهم)، والعاملين بذلك ، والمحشورين في زمرتهم إنّه سميع مجيب ، والله من وراء القصد.
الشيخ عبد الكريم العقيلي
info@oqaili.com